الثعلب و الغراب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الثعلب و الغراب

مُساهمة من طرف Admin في السبت يوليو 04, 2009 8:13 pm

ثعلباً سكن في بيت في الجبل وكان كلما ولد ولداً واشتد ولده أكله من الجوع
وإن لم يأكل ولده يضربه الجوع، وكان يأوي إلى ذروة ذلك الجبل غراب فقال
الثعلب في نفسه: أريد أن أعقد بيني وبين هذا الغراب مودة واجعله لي مؤنساً
على الوحدة معاونا على طلب الرزق لأنه يقدر من ذلك على ما لا أقدر عليه،
فدنا الثعلب من الغراب حتى صار قريباً منه بحيث يسمع كلامه فسلم عليه ثم
قال له: يا جاري إن للجار المسلم على الجار المسلم حقين: حق الجيرة وحق
الإسلام واعلم بأنك جاري ولك علي حق يجب قضاؤه وخصوصاً مع طول المجاورة،
على أن في صدري وديعة من محبتك دعتني إلى ملاطفتك وبعثتني على التماس
أخوتك فما عندك من الجواب? فقال الغراب: اعلم إن خير القول أصدقه وربما
تتحدث بلسانك بما ليس في قلبك وأخشى أن تكون أخوتك باللسان ظاهراً وعداوتك
في القلب لأنك آكل وأنا مأكول فوجب علينا التباين في المحبة ولا يمكن
مواصلتنا، فما الذي دعاك إلى طلب ما لا تدرك وإرادة ما لا يكون وأنت من
جنس الوحوش وأنا من جنس الطيور وهذه الأخوة لا تصح. فقال له الثعلب: إن من
موضع الإخلاء فأحسن الإختيار فيما يختاره منهم ربما يصل إلى بعض منافع
الأخوان وقد اخترت قربك واخترت الأنس بك ليكون بعضنا عوناً لبعض على
أغراضنا وتعقب مودتنا، وعندي حكايات في حسن الصداقة فإن أردت أن أحكيها
حكيتها لك، فقال الغراب: أذنت لك أن تبثها فحدثني بها حتى أعر فالمراد
منها، فقال له الثعلب: اسمع يا خليلي يحكى عن برغوت وفأرة وما يستدل به
على ما ذكرته لك، فقال الغرا ب: وكيف كان ذلك? فقال الثعلب: زعموا أن فارة
في بيت رجل من التجار كثير المال فآوى البرغوت ليلة إلى فراش ذلك التاجر
فرأى بدناً ناعماً وكان البرغوت عطشاناً فشرب من دمه، ووجد التاجر من
البرغوت ألماً فاستيقظ من النوم واستوى قاعداً ونادى أتباعه فأسرعوا إليه
وشمروا عن أيديهم يطوفون على البرغوت، فلما أحس البرغوت بالطلب ولى هارباً
فصادف حجر الفأرة فدخله، فلما رأته الفأرة قالت له: ما الذي أدخلك علي
ولست من جوهري ولا من جنسي ولست بآمن من الغلظة عليك ولا مضاررتك? فقال
لها البرغوت: إني هربت إلى منزلك وفزت بنفسي من القتل وأتيت مستجيراً بك
ولا طمع لي في بيتك ولا يلحقك مني شر يدعوك إلى الخروج من منزلك وإني أرجو
أن أكافئك على إحسانك بكل جميل وسوف تحمدين عاقبة ما أقول لك، فلما سمعت
الفأرة كلام البرغوت اذا كان الكلام على ما أخبرت فاطمئن هنا وما عليك بأس
ولا تجد إلا ما يسرك ولا يصيبك إلا ما يصيبني وقد بذلت لك مودتي ولا تندم
على ما فاتك من دم التاجر ولا تأسف على قوتك منه وارض بما تيسر لك من
العيش فإن ذلك أسلم لك وقد سمعت أيها البرغوت بعض الوعاظ ينشد هذه
الأبيات: سلكت طريق القناعة والإنفراد قضيت دهري بماذا اتـفـق
بكسرة خبـز وشـربة مـاء وملح جريش وثوب خـلـق
فإن يسر الله لي عـيشـتـي وإلا قنعت بـمـا قـد رزق


فلما سمع البرغوت كلام الفأرة، قال: يا أختي قد سمعت وصيته وانقدت إلى
طاعتك ولا قوة لي على مخالفتك إلى أن ينقضي العمر بتلك النية فقالت له
الفأرة: كفى بصدق المودة في صلاح النية ثم انعقد الود بينهما وكان البرغوت
بعد ذلك يأوي إلى فراش التاجر ولا يتحاور بلغته ويأوي بالليل مع الفأرة في
مسكنها فاتفق أن التاجر جاء ليلة إلى منزله بدنانير كثيرة فجعل يقلبها،
فلما سمعت الفأرة صوت الدنانير أطلعت رأسها من جحرها وجهلت تنظر إليها حتى
وضعها التاجر تحت وسادة ونام فقالت الفأرة للبرغوت: أما ترى الفرصة والحظ
العظيم، فهل عندك حيلة إلى بلوغ الغرض من تلك الدنانير? فقال لها البرغوت:
قد التزمت لك بإخراجه من البيت ثم انطلق البرغوت إلى فراش التاجر ولدغه
لدغة قوية لم يكن جرى للتاجر مثلها، ثم تنحى البرغوت إلى موضع يأمن فيه
على نفسه من التاجر فانتبه التاجر يفتش على البرغوت فلم يجد شيئاً فرقد
على جنبه الآخر فلدغه البرغوت لدغة أشد من الأولى فقلق التاجر وفارق وخرج
إلى مصطبة داره فنام هناك ولم ينتبه إلى الصباح ثم إن الفأرة أقبلت على
الدنانير حتى لم تترك منها شيئاً.
فلما أصبح الصباح صار التاجر يتهم الناس ويظن الظنون ثم قال الثعلب
للغراب: واعلم أني لم أقل لك هذا الكلام أيها الغراب البصير العاقل الخبير
إلا ليصل إليك جزاء إحسانك إلي كما وصل للفأرة جزاء إحسانها إلى البرغوت
فانظر كيف جازاها أحسن المجازاة وكافأها أحسن المكافأة، فقال الغراب: إن
شاء المحسن يحسن أو لا يحسن وليس الإحسان واجباً لمن التمس صلة بقطيعة وإن
أحسنت إليك مع كونك عدوي أكون أتسبب في قطيعة نفسي، وأنت أيها الثعلب ذو
مكر وخداع ومن شيمتك المكر والخديعة لا تؤمن على عهد لا أمان له، وقد
بلغني عن قريب أنك غدرت بصاحبك الذئب ومكرت به حتى أهلكته بغدرك وحيلتك
وفعلت به هذه الأمور مع أنه من جنسك وقد صحبته مدة مديدة فما أبقيت عليه
فكيف أثق منك بنصيحة وإذا كان هذا فعلك مع صاحبك الذي من جنسك فكيف فعلك
مع عدوك الذي من غير جنسك? وما مثالك معي إلا مثال الصقر مع ضواري الطير،
فقال الثعلب: وما حكاية الصقر مع ضواري الطير? فقال الغراب: زعموا أن
صقراً كان جباراً عنيد أيام شبيبته وكان سباع البر وسباع الطير تفزع منه
ولا يسلم من شره أحد وله حكايات كثيرة في ظلمه وتجبره وكان دأب هذا الصقر
الأذى لسائر الطيور فلما مرت عليه السنون ضعف وجاع واشتد جهده بعد فقد
قوته فأجمع رأيه على أن يأتي مجمع الطير فيأكل ما يفضل منها، فعند ذلك صار
قوته بالحيلة البعثد القوة والشدة وأنت كذلك أيها الثعلب إن عدمت قوتك ما
عدمت خداعك ولست أشك في أن ما تطلبه من صحبتي حيلة على قوتك فلا كنت ممن
يضع يده في يدك لأن الله أعطاني قوة في جناحي وحذراً في نفسي وبصراً في
عيني وأعلم أن من تشبه بأقوى منه تعب وربما هلك. هذا ما عندي الكلام واذهب
عش بسلام، فلما يئس الثعلب من مصادقة الغراب رجع من حزنه يئن وقرع للندامة
سناً على سن.

Admin
Admin

عدد الرسائل : 133
تاريخ التسجيل : 18/11/2007

http://elhadjira.forumn.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى